العلم التجريبي من الناحية الفلسفية هو نوع من أنواع المعارف الموجودة ولكنه ليس الوحيد بالطبع فالأديان هي نوع من أنواع المعرفة والسحر أيضاً هو كذلك نوع من أنواع المعرفة القديمة لدى الإنسان ومحاولة بدائية لتفسير العالم وكل هذه الأمثلة سواء العلم التجريبي او السحر له المنطق والسياق والهيكل المعرفي الخاص به وهناك فروع كاملة بمجال الفلسفة لدراسة هذه الأمور كالإبستمولوجيا والأنطولوجيا …

وفي هذا المقال أو البوست سيكون تركيزي على التشخيص الطبي في مجال الطب كأحد أفرع العلم التجريبي ولكن من ناحية فلسفية…

🤓فلنبدأ…
اذا كنا نريد ربط الطب بالفلسفة فالنقطة الأكثر تقاطعاً بين المجالين هي التشخيص الطبي حيث يتم خلط الاستدلال الإكلينيكي بأدوات منطقية كالشك والاستقراء والاستنباط لمحاولة ربط التفسير بالظاهرة.

📝مدخل للتشخيص الطبي من الناحية الإبستمولوجية والأنطولوجية:

كل عرض يشتكي به المريض للطبيب هو ظاهرة طبيعية تحتاج لتفسير عن طريق تطبيق منهجية العلم التجريبي في تفسير الظاهرة ومن المعروف أن منهجية العلم لدراسة الظاهرة تتكون من :
💡الظاهرة الغامضة.
💡الملاحظة.
💡التفسير الأولي⁦:⁩الفرضية التي لم تختبر بعد.
💡اختبار الفرضية بالتجارب المادية والملحوظة.
💡مرحلة النقد⁦:⁩عرض التجارب ونتائجها داخل المجتمع العلمي والتحقق منها.
💡التحول لنظرية⁦:⁩عندما تصمد الفرضية أمام النقد ومحاولة الدحض تصبح نظرية يمكن استخدام المعلومات فيها كمعرفة من نوع العلم التجريبي.

حسناً التشخيص الطبي أيضاً يبدأ بملاحظة أعراض هي ظاهرة غامضة في البداية يحاول الطبيب تفسيرها بآليات كثيرة بناء على معلوماته السابقه واستخدامه للأدوات المنطقية مثل الاستقراء بأنواعه “التام و الناقص” أو الإستنباط وبعض المبادئ المنطقية فعلى سبيل المثال دائماً كان يردد اساتذتي بالجامعة مقولة
“Common is common👆”

ويقصدون بها أن التشخيص الأكثر شيوعاً للأعراض على الأغلب هو الصحيح وهذه المقولة هي الترجمة الحرفية للمبدأ المنطقي المسمى بالاستقراء فاذا كان هناك الكثير من الحالات التي تملك نفس الأعراض تم
تشخيصها بمرض معين في الماضي فعلى الأغلب هذا هو الاتجاه الصحيح الذي يجب أن يسير فيه الطبيب لتشخيص المرض …

بالطبع اذا كنت مهتم بالابستمولوجيا فأنت تعلم أن هذه الأداة المنطقية “أقصد الاستقراء الناقص” تم انتقادها من كبار الفلاسفة مثل كارل بوبر المعروف ب”كانط الصغير” والذي انتقدها بمثال البجعة السوداء الشهير فلو قمنا برؤية مليار بجعة بيضاء فهذا لايعني بالضرورة كل البجع لونه أبيض🤓…
وبالتالي فإن مسألة التشخيص الطبي هو استنتاج غير قطعي ومن هنا تأتي آداة محورية لمحاولة وضع فرضية تفسر الأعراض وهو مايسمى بالتشخيص التفريقي “Differential Diagnosis”

وفكرة التشخيص التفريقي بإختصار تقوم على أن كل عرض او مجموعة من الاعراض يمكن ربطه مع مجموعة من الأمراض المعروفة والنادرة وبالتالي رفع نسبة احتمالية الوصول للتشخيص الصحيح…

ومن المبادئ الفلسفية والمنطقية التي يمكن الاستفادة منها هنا هو استخدام “مقص أوكام” 😈

اذا كنت لاتعرف مقص أوكام فهو ليس مقص بالمعنى الحرفي ولكن يمكن القول انه تعبير أدبي عن محاولة قص الاحتمالات الأبسط والتي لاتحتاج مزيد من التفسيرات والتعقيدات من بين الاحتمالات الاخرى والتي تعطي تفسيرات تحتاج تعقيدات اخرى وبالتالي مرة اخرى يتم رفع احتمالية الوصول للتشخيص الصحيح🤓.

ونعم صديقي الطبيب أنت تستخدم مقص أوكام حتى ولو لم تعرفه أو تقرأ عنه في كل مرة تستخدم قائمة بالتشخيص التفريقي لعرض ما.
واذا كنت تصر أنك لاتفعل فدعني أناقش بعض التفاصيل معك 🥸؟
بالطبع كطبيب أنت تستخدم الكثير من الامور لمحاولة التركيز على امراض معينة في قائمتك للتشخيص التفريقي على سبيل المثال لا الحصر :
ماهي الأمراض الأكثر شيوعاً لتفسير الأعراض؟
وشائعة في ماذا بالظبط من الناحية الأنطولوجية في أي عمر “طفل،شاب،الشيخوخة”وبأي جنس الرجال ام النساء وفي أي عرق …الخ؟
فسواء اقتنعت أم لا عزيزي الطبيب أنت فيلسوف يستخدم مقص أوكام في عملية تحقيق للوصول للتشخيص الصحيح😉.
وبالطبع في النهاية اذا كانت قائمتك تحوي ٥٠ مرض مثلاً فبمقص أوكام يقوم الطبيب باختيار ٥ منهم مثلاً لأسباب منطقية ويقو بإختبار فرضيته عن طريق الفحوصات المختلفة للوصول للإحتمالية الصحيحة وكل ماتم ذكره يحتاج بالفعل شخص ذو معدل ذكاء مرتفع وتركيز مرتفع وملاحظة دقيقة والاستجابة السريعة وقدرة فذة في استحضار المعلومات لإنقاذ الأرواح.

🥸أخيراً :

سألني أحدهم مؤخراً هل سيستبدل الذكاء الإصطناعي الطبيب ؟

وإجابتي هي لا أعلم ، ولكن حتى هذه اللحظة يمكن القول أنَّ ال⁦AI⁩يتفوق على الانسان في المعالجة والتحليل بفارق رهيب ولكن مازال الإنسان والذي يملك عقلاً ينتج تجربة ذاتية حية افضل من الذكاء الإصطناعي في اشياء غير مفهومة بشكل كامل مثل الحدس والقدرة على فهم السياق وطريقة تمثيل البينات بشكل واعي وغيرها من الأمور مع أني لا أنكر أن هناك تقدم رهيب في نماذج الشبكات العصبية الإصطناعية ونماذج ال⁦LLM⁩والمعادلات الرياضية لتنشيط العصبونات الإصطناعية “activation function” والتي زادت دقة الوصول لنتائج مذهلة تحاكي طريقة عمل الخلايا العصبية بالدماغ البيولوجي بشكل رهيب بالفعل.

أهلا بك أترك تعليقك هنا

اكتشاف المزيد من ICU Boy

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة